سقطة نصر الله إزاء قبرص مقابل “مبادرة” برّي لهوكستين- بقلم وليد شقير

  • شارك هذا الخبر
Saturday, June 22, 2024

الخوف من العواقب هو الرادع الأساسيّ لتوسيع الحرب على جبهة جنوب لبنان. هو خوف على جانبَي الحدود ولا يقتصر على إسرائيل وحدها ولا على لبنان وحده.

تقول شخصية فلسطينية تحتكّ بالجيش الإسرائيلي إنّ تقديراته أنّ أكثر من 20 ألف قتيل إسرائيلي سيسقطون في حال الحرب الشاملة ضدّ لبنان. هذا عدا الدمار في البنى التحتية الإسرائيلية نتيجة قوّة النيران لدى الحزب وإيران. ويكشف مصدر سياسي لبناني أنّ أميركا تعرف أنّ لدى إسرائيل 700 هدف في لبنان قادرة على استهدافها خلال 72 ساعة. وهناك من يتحدّث عن آلاف الأهداف التي هيّأت الدولة العبرية لقصفها.

هذه الأرقام وغيرها، إذا صحّت، كفيلة لوحدها بالردع، قبل الحديث عن توازن القدرات العسكرية والعمليّة، وعن تصريحات الجانبين التعبويّة والتحذيريّة.

ليس جديداً ربط الموفد الأميركي الرئاسي آموس هوكستين وقف النار على الجبهة الجنوبية اللبنانية مع شمال إسرائيل، بوقف حرب غزة. فهو اقتنع بهذا الربط منذ زيارته في مطلع شهر آذار الماضي، خلال لقائه رئيس البرلمان نبيه بري. وفي الزيارة التي أعقبتها في شهر نيسان، تصرّف على هذا الأساس. وهو توصّل خلال هاتين الزيارتين السابقتين إلى اتفاق شفهي كامل مع برّي يكرّس مطالب لبنان حول النقاط الـ13 للحدود البرّية على أن يتم مناقشة تنفيذه لاحقاً في اجتماع عسكري بين الطرفين اللبناني والإسرائيلي بإشراف الأمم المتحدة في الخيمة التقليدية. وشمل البحث تدقيقاً في الخرائط. واتّفق في حينها على استكمال البحث في تنفيذ القرار الدولي الرقم 1701 بعد نجاح جهود وقف حرب غزة. ففي ذلك الوقت كانت الجهود ناشطة لهذا الغرض.

ليس جديداً ربط الموفد الأميركي الرئاسي آموس هوكستين وقف النار على الجبهة الجنوبية اللبنانية مع شمال إسرائيل، بوقف حرب غزة

عودة هوكستين إلى تل أبيب تقرّرت في بيروت

على الرغم من التسريبات عن فشل هوكستين في التوسّط بين الحزب وإسرائيل، وأنّه نقل تهديد نتنياهو وجدّيّته. وعلى الرغم ممّا تردّد عن أنّ لقاءاته في بيروت لم تنجح في نزع فتيل توسّع الحرب، يسجّل عارفون بطبيعة الأمور الملاحظات الآتية:

لم يكن في برنامج هوكستين أن يعود إلى تل أبيب بعد بيروت. ومجرّد عودته خطوة مهمّة حسب دبلوماسي غربي يتابع عن كثب مخاطر توسّع الحرب في جنوب لبنان.
فهو حين نقل جدّية التهديد الإسرائيلي ومخاطر تصعيد الحزب عمليّاته التي ستردّ عليها تل أبيب، أجابه برّي بوقائع الميدان:

قال له إنّ ما يحصل من الجهة اللبنانية هو ردّ فعل على الاغتيالات والتدمير والاستباحة من جانب إسرائيل. هذا فضلاً عن المجازر في غزة.
اقتراح برّي إذا فشلت هدنة غزّة

ردّ هوكستين مشيراً إلى أنّه في ما يخصّ غزة هناك الخطة التي طرحها الرئيس جو بايدن لوقف الحرب على 3 مراحل. ونجاح تطبيق هذه الخطة يساهم في الهدوء شمال إسرائيل وجنوب لبنان. لكنّه ألقى اللوم على حركة حماس بأنّها لم تقبل بها.
أجابه برّي بأنّ وقف الحرب في غزة سيقود إلى وقف النار من جهة لبنان إذا نجحت الخطة. وأوضح أنّه لم يسمع بأنّ حماس رفضتها بل رحّبت بها، ولديها مطالب تحتاج إلى معالجة. مع ذلك لم يطرح هوكستين على بري كما سبق أن فعل مطلع الشهر الجاري هاتفياً أن يتوسّط الحزب لدى حماس لتقبل بالخطّة. بعض المعطيات يشير إلى أنّه قد يكون طرح الأمر في لقائه مع رئيس الحكومة نجيب ميقاتي من باب التذكير بذلك.
أشار هوكستين إلى أنّ الوسيطين المصري والقطري يعملان على إقناع حماس بالقبول بها. لكنّه أضاف أنّ الجيش الإسرائيلي قد ينهي الحرب في رفح خلال أسبوعين أو ثلاثة، حتى لو لم ينجح تطبيق خطة بايدن. وعندها سيستدير نحو جبهة الشمال بهدف ضمان أمن المستوطنين الذين لن يعودوا إلا بعد إبعاد الحزب عن الحدود.
اقترح عليه برّي، في حال لم ينجح تنفيذ خطة بايدن، العمل معاً على خيار آخر هو تنفيذ ما اتّفق عليه في زيارتَيه السابقتين. أي معالجة مسألة الحدود البرّية، بموازاة العمل على خفض التصعيد ميدانياً على جبهة جنوب لبنان.
حين سأله هوكستين عن صيغة خفض التصعيد اقترح بري أن يزور إسرائيل ليطرح الاقتراح. فإذا حصل على جواب إيجابي من تل أبيب يتولّى رئيس البرلمان الحصول على موافقة الحزب على خفض التصعيد من جهته.
غادر الموفد الأميركي إلى تل أبيب والتقى نتنياهو، فيما انتظر برّي جواباً منه على الاقتراح.

لم يكن في برنامج هوكستين أن يعود إلى تل أبيب بعد بيروت. ومجرّد عودته خطوة مهمّة حسب دبلوماسي غربي

نصر الله “يؤثّر على المفاوضات”…

لفت حديث الأمين العام للحزب السيد حسن نصر الله في خطابه المطوّل والتصعيدي مساء الأربعاء عن التفاوض في جملة سريعة. قال إنّ “الضغط من جبهة لبنان إلى جانب الجبهات الأخرى كاليمن والعراق وداخل غزة، يؤثّر على مسار المفاوضات”. كان يشير إلى “المفاوضات القائمة، غير المباشرة بين المقاومة الفلسطينية وبين العدوّ”. واعتبر أنّ “جبهتنا وبقيّة الجبهات حاضرة بقوّة على طاولة التفاوض الذي يراد من خلاله الوصول إلى نتيجة معيّنة في هذه المعركة وفي هذه الحرب”.
بعد بضعة تصريحات إسرائيلية تهدّد الحزب ولبنان بالويل والثبور، ينسب الإعلام العبري إلى “مسؤول إسرائيلي كبير” أو إلى وزير الدفاع يوآف غالانت لهجة أخرى. تصبح العبارة التي تتوعّد بعملية عسكرية لإبعاد الحزب عن الحدود مقترنة مع عبارة “نفضّل الوسائل الدبلوماسية”… أمّا نصر الله فكرّر التأكيد أنّه لا يريد الحرب. ثمّ يتبادل الجانبان إسرائيل والحزب الحديث عن أنّ الطرف الآخر سيفاجأ بالإمكانات التي لديه في حال توسّعت الحرب. هذا ما قاله رئيس الأركان هرتزل هاليفي الأربعاء خلال زيارته الجبهة الشمالية. وهذا ما أعلنه نصر الله بقوله: “حصلنا على أسلحة جديدة، ولن أقول ‏ ما هي، فهذه تظهر في الميدان عندما يُتّخذ قرار”. أي أنّ الجانبين يتبادلان الحرب النفسيّة، بصرف النظر عن تقويم موازين القوى… يعود ذلك إلى القاعدة ما زالت سارية المفعول حسب معطيات المسؤولين اللبنانيين في اتصالاتهم، سواء مع واشنطن أو مع طهران. فالدولتان لا تريدان توسيع الحرب، وهو ما يحتّم بقاء المواجهات محكومة بهذا السقف على الرغم من ارتقائها أحياناً إلى ذروة جديدة. وهي ذروة تتجلّى إمّا بعمق القصف أو بعمليات الاغتيال الإسرائيلية لقادة وكوادر الحزب، أو بظهور أسلحة جديدة لا سيما عند الأخير. لكنّ هذا لا يحجب إمكان استفادة تل أبيب من دخول أميركا في الكوما الانتخابية للهروب من تأزّمها الداخلي نحو حرب مع لبنان.


في سياق الحرب النفسية تسرّب نبأ اتجاه حاملة الطائرات الأميركية جيرالد فورد، الأحدث في العالم، نحو البحر الأبيض المتوسط وتحديداً حيفا. جاء ذلك ردّاً على الفيديو الذي بثّه الحزب وأظهر أنّ المنشآت في محيط مرفأ حيفا بمتناول صواريخه وقذائفه.
نصر الله وقع في سقطة سياسية مكلفة حين هدّد قبرص باستهدافها إذا استخدمت إسرائيل مطاراتها خلال أيّ مواجهة مع لبنان. فتحت هذه السقطة حملة ضدّ الحزب في سياق الاستهداف الغربي والأوروبي لأنشطته، مع أنّه لا يكترث للحملات الغربية عليه. لكنّها قد تصيب اللبنانيين الذين يتردّدون على الجزيرة الجارة. والبعض يتحدّث عن خسارة الحزب نفسه، الذي اعتاد على الإفادة من “التسامح” القبرصي حيال بعض الأنشطة التي تمرّ عن طريق نيقوسيا.