بعد 40 عاماً اسرائيل تعترف.. تفجير صور ليس "انفجار غاز" كان "فدائيًا"..؟

  • شارك هذا الخبر
Monday, November 28, 2022


قبل أربعين سنة، وتحديداً في 11 تشرين الثاني 1982، انهار مبنى الحاكم العسكري الإسرائيلي في صور، الذي أقامته تل أبيب بعد اجتياحها لبنان. وكان مقرّ قيادات حرس الحدود والشرطة العسكرية و"الشاباك"، وقُتل فيه 76 إسرائيلياً، ومعهم 15 معتقلاً لبنانياً كانوا في المبنى.


بعد الهجوم، عيّن رئيس الأركان رفائيل إيتان لجنة للتحقيق في ملابساته برئاسة مئير زوريع الذي لفّق وقائع الانفجار ووضع استنتاجاً مريعاً نسف كلّ الحقائق: "سبّب انهيار المبنى انفجار أسطوانات غاز الطبخ".

لم يستبعد تحقيق الشرطة العسكرية استنتاجات لجنة زوريع، فيما أُسقطت من التقرير النهائي شهادات واضحة بأنّ الانفجار نتج عن سيارة مفخّخة اندفعت إلى داخل المبنى.


ومنذ ذلك الحين، يحتفل اللبنانيون بهذا اليوم باعتباره فاتحة عمليات نوعية ضدّ الاحتلال الإسرائيلي. وأعلنه حزب الله "يوم الشهيد" في "11/11" من كلّ عام. وبشكل سنوي "يتنافس" حزب الله وحركة أمل على "تبنّي" منفذ العملية، أحمد قصير، وكلّ طرف يدّعي أنّه كان منتسباً له وأنّ الفضل في تنفيذ العملية يعود إلى الحزب، أو الحركة.

سيارة الأنروا

كتب رونين بيرغمان وإيتي إيلناي في صحيفة "يديعوت أحرونوت" أنّه قبل أيام من التفجير تلقّى ضابط ارتباط الجيش الإسرائيلي مع منظمات دولية في لبنان بلاغاً من رجال "الأونروا" يشتكون فيه من سرقة إحدى سيّاراتهم. استنتج الضابط بسرعة أنّ من المحتمل أن تكون السيارة المسروقة هي عينها التي استُعملت في الانفجار. مَثُل الضابط أمام لجنة زوريع وروى لها شهادته، لكن "حين رويت لزوريع عن السيارة المسروقة ألقوا بي من مكتبه مكلّلاً بالعار، وقال لي: أنا أعرف أنّ هذا حادث ناتج عن الغاز. انتهت شهادتك".

اعتبر الجيش الإسرائيلي والشاباك أنّ إلقاء اللوم على "انفجار أسطوانات غاز الطبخ" هو الأسلم. لأنّ الاعتراف بأنّها عملية فدائية يلقي المسؤولية على جهاز "الشاباك" الذي كان يُفترض به أن يعرف ما الذي يخطّط له أعداؤه، وكانت مهمته أن يحبطه.


انكشف أيضاً أنّ محقّقي الشرطة العسكرية حصلوا على شهادتَيْ لبنانيَّين اثنين رَوَيا أنّهما رأيا في يوم تفجير صور سيارة بيجو 504 تندفع نحو المبنى وتنفجر. أُسقطت أيضاً هذه التفاصيل من تقرير التحقيق النهائي.

عماد مغنية

لمناسبة مرور 40 سنة على الحادث، التقى رئيس "الشاباك" الكثيرين من أبناء عائلات القتلى وكبار رجالات الجهاز في تلك الفترة ممّن لا يزالون على قيد الحياة، وقرأ الوثائق التي استندت إليها تحقيقات نشرتها "يديعوت أحرونوت"، والتي تشير إلى أنّ ما وقع كان "عملية إرهابية"، وأنّه كان معروفاً في جهاز الأمن الإسرائيلي منذ زمن بعيد أنّ حادثة صور هي بالفعل عمليّة وليست حادثة، وأنّ الذي خطّط لها ونفّذها هو حزب الله، وأنّ من وقف خلفها هو القائد العسكري في حزب الله عماد مغنية.

انطلاقاً من ذلك، قرّر أخيراً رئيس الشاباك رونين بارم أنّ ما سمعه وقرأه بالفعل يثير شكّاً كبيراً، فبادر إلى تشكيل فريق فحص خاصّ يحقّق في أسباب انفجار صور بعد موافقة رئيس الأركان على ذلك.


قرار رونين بارم بفتح ملفّ الانفجار يعني أنّ جهاز الأمن الإسرائيلي، بعد مطاردة من الصحف الإسرائيلية، يعترف للمرّة الأولى بأنّه يُحتمل أن يكون الحدث، الذي سُمّي "مصيبة صور الأولى"، نتيجة عملية "إرهابية" لا حادثة داخلية.

تسميم الآبار

هذه ليست المرّة الأولى التي تُخفي قيادات إسرائيل الحقائق، أو يقوم باحثون إسرائيليون بمحاولات نبش الحقائق. فقد تبيّن في وثائق جديدة أنّ الجيش الإسرائيلي قام بتسميم آبار العرب سرّاً في عام 1948، وشارك في هذه العملية دافيد بن غوريون وموشيه دايان وأفرايم كتسير، وحملت العملية اسم "أرسل لأخيك"، وشملت بيروت والقاهرة، وامتدّت إلى القدس وعكّا وغزّة وبئر السبع وأريحا وعيلبون.

في صحيفة "هآرتس" كتب عوفر أديرت أنّه في 1 نيسان 1948 تحدّث بن غوريون في مذكّراته عن تطوير العلم وأهميّة استخدامه في المعركة. بعد شهر ونصف كتب عن "موادّ بيولوجية" اشتُريت بمبلغ 2,000 دولار. بعد 74 سنة، تبيّن أنّ علاقةً ربطت بين هذين الأمرين. وقد كُشفت القصة الكامنة وراء ذلك في بحث أرشيفي شامل نُشر أخيراً أجراه بني موريس وبنيامين كيدار، الحاصل على "جائزة إسرائيل".


بيّن البحث أنّ المقاطع الواردة في المذكّرات ما هي إلا آثار عن تدخُّل بن غوريون في عملية سرّية لتسميم آبار المياه في قرى عربية خلال "حرب الاستقلال". وحسب الوثائق بدأت العملية في نيسان من السنة نفسها أثناء الحرب، قبل شهر ونصف من قيام الدولة، واستهدفت تسميم آبار في قرى عربية مهجورة لمنع العرب من العودة إليها.

كُشفت القضية جزئيّاً قبل عشرات السنين عندما نُشرت في صحف وكتب شائعات وشهادات شفوية عن محاولة الجيش الإسرائيلي في عام 1948 تسميم آبار في عكا وغزّة عبر تلويث مياه الشرب بجراثيم ستؤدّي إلى الإصابة بالتيفوس والديزنطاريا.

غير أنّ بحث موريس وكيدار تحت عنوان "حرب إسرائيل البيولوجية في 1948"، أكّد ذلك. كان "أرسل لأخيك" الاسم السرّي للعملية، وعندما بحث موريس في أرشيف الجيش عن ذكر للعملية، حسب اسمها، فوجئ باكتشاف وثائق كثيرة.

تكشف قراءة الوثائق أنّ التسميم طال منطقة واسعة جدّاً، وأنّه على رأس الهرم كان يقف بن غوريون، وموشيه دايان رجل الميدان الكبير في تلك المجموعة، الذي أصبح في ما بعد وزيراً للدفاع. وقد عمل دايان وفق الوثائق على نقل الجراثيم من "سلاح العلوم" إلى أماكن مختلفة.

بدأت العملية بتسميم الآبار بموادّ بيولوجية في المحور الممتدّ بين القدس وتل أبيب، ثمّ اتّسعت إلى عكّا في الشمال وغزّة في الجنوب. وشملت أيضاً أهدافاً خارج إسرائيل مثل القاهرة وبيروت، لكنّها بقيت على الورق فقط، وقد أراد بها منظّمو العملية أن يشوّشوا على تقدّم الجيوش العربية.

ستفهم بنفسك

شهادة مهمّة عن العملية وجدها موريس في أرشيف كيبوتس نعان، وهي لرجل الآثار شماريا غوتمان الذي عبّر عن رفضه الأخلاقي للعملية، وحذّر من أنّ تسميم الآبار يمكن أن يضرّ باليهود أيضاً، إذ قال: "يمكن أن نحتلّ في الغد هذه المنطقة وأن نشرب هذه المياه، وجيشنا سيُصاب بالتيفوس أو الديزنطاريا". وأكّد غوتمان أنّه قال ذلك للجنرال يوحنان ريتنار الذي عيّنه بن غوريون قائداً للعملية.

ورد في شهادة غوتمان أيضاً أنّه طلب تسلّم أمر خطّي، لكنّ هذا الطلب رُفض، وردّ عليه ريتنار: "لا يمكن إعطاء شيء كهذا أبداً. افهم بنفسك". وأضاف غوتمان في الشهادة: "سألته، ما هي المادّة؟ هل هي سائل أم مسحوق أم شيء آخر؟". وتابع: "لقد كانت عملية استثنائية من الناحية الأخلاقية".

في شهادته أشار غوتمان إلى أنّ ريتنار أبلغه بإرسال شخصين إلى الحدود مع مصر لتسميم الآبار، هما ديفيد مزراحي وعزرا حورين (عفغين). وقد انطلقا في 22 أيار 1948 لتنفيذ هذه المهمّة في غزّة، لكن أُلقي القبض عليهما وحوكما في محكمة عسكرية في مصر بتهمة نيّة تسميم الآبار من أجل المسّ بالجيش المصري الذي كان في طريقه إلى البلاد، وأُعدما في حينه

.عبير بشير - اساس ميديا


الأكثر قراءةً