بديع يونس- غياب الرئيس السيادي يصدع لبنان ويبدد الصلاحيات

  • شارك هذا الخبر
Tuesday, August 16, 2022

لم يُضعف اتفاق الطائف الرئيس اللبناني كما كان يحلو للبعض الترويج، بل نقل صلاحيات منه إلى مجلس الوزراء مجتمعاً، على أن يبقى هو رئيساً للسلطة التنفيذية ويرأس مجلس الوزراء متى حضر اجتماعاته. كان الهدف التوصّل إلى صيغة تمنع تحكُم الشخص الواحد بلبنان، وذلك في أعقاب تجربة سيئة كان أشدها مرارة ما حصل في نهاية ثمانينيّات القرن الفائت. مع إقرار وثيقة الوفاق الوطني راحت الوصاية السورية منذ مطلع التسعينات تتحكم بهذا الرئيس وذاك. كان الرئيس دمية تحرّك خيوطها هذه "الوصاية" ولتحل بعدها قرينتها الإيرانية المُستمرة حتى يومنا هذا.

الصلاحيات المُكرسة في المقدمة الإصلاحية (اتفاق الطائف) وما هو مُدرج في متن الدستور كثير الوضوح لجهة ما يحوزه رئيس الجمهورية من صلاحيات، وذلك على العكس من الحملات الدعائية التي تزعم أنّ التعديلات الدستورية التي جرت في أيلول 1990 انتـزعت الصلاحيات من رئيس البلاد، وحوّلته إلى رئيس صوريّ من دون سلطات، بحيث لا يمكنه ممارسة دوره كرئيس للسلطة التنفيذية. وكأنّ النظام السياسي في لبنان رئاسي على منوال الولايات المتحدة أو شبه رئاسي كما في فرنسا. زعم هؤلاء ـ وعن غير حق ـ أنّ تعديلات اتفاق الطائف لم تعد تسمح لرئيس الجمهورية بإنجاز برنامجه وإجراء إصلاحاته.

زادت هذه المقولات من أزمات اللبنانيين وإحباطهم، ولا سيّما بعد تدقيقهم في ممارسات كلّ رئيس مرّ على سدّة الحكم منذ اتفاق الطائف حتى اليوم. ذلك لأنّ الأمر لا يتعلّق بالصلاحيّات إنّما يتعلّق بشخص الرئيس وبارتباطاته السياسية وبتحالفاته ومصالحه.



صلاحيات الرئيس: التاريخ والحاضر شاهدان

قبل الطائف لم يكن الرئيس في النظام السياسي اللبناني "ملكاً" مطلق الصلاحيات. وإن كان هو من يعين رئيس الوزراء، إلا أنه كان بحاجة مستمرة على الدوام إلى توقيع آخر. ومَن لديه عكس هذه الفكرة الخاطئة يكفيه مراجعة مواقف رؤساء الحكومات الأسبقين: من تصلّب صائب سلام في وجه كلّ من كميل شمعون أو سليمان فرنجية، ومعاينة مواقف رشيد كرامي بوجه أمين الجميّل، و"حرد" رشيد الصلح وشفيق الوزّان، ووجهات نظر سليم الحص وقناعاته وتمنّعه عن التوقيع. فقبل الطائف لم يُعطَ رئيس الجمهورية "شيكاً على بياض" من دون مشاركة حقيقية في التواقيع المجاورة من قبل كلّ من الوزير المختصّ ورئيس الحكومة.

أمّا بعد الطائف فلم يتحوّل رئيس الجمهورية إلى "باش كاتب"، أو كما يحلو للبعض تسميته بصندوق بريد أو موقع دستوري شكليّ، بل مارس صلاحيّاته ودوره. وفي أغلب الأحيان أكثر ممّا يسمح له الدستور، فعطّل تشكيل الحكومات ليحصل على حصّته أو حصّة حلفائه، أو يحصر الوزارات بوزراء محدّدين والحقائب بجهات معيّنة. واشتبك رئيس ما بعد 1990 مع رؤساء الحكومات وعطّل عمل مجلس الوزراء وردّ بعض قراراته وبعض القوانين الصادرة عن البرلمان، ووضع الشروط على تعيينات الفئة الأولى وغيرها، في الأسلاك القضائية والعسكرية والأمنية وصولاً إلى خلقه أطراً موازية ونوعاً من الأعراف كمثل إعتبار قرارات مجلس الدفاع الأعلى ملزمة. لم يتحوّل رئيس الجمهورية إلى "دمية" في الدستور، بل "دمية" وفق شروط مَن أتى به، سواء أكان في زمن السوريين أو في زمن الإيرانيين.

إذاً إن لم تكن الصلاحيات الدستورية هي السبب في أداء رئيس الجمهورية، فأين العلّة والفارق بين رئيس وآخر وبين عهد وآخر؟!

خلال فترة الاحتلال السوري لثلاثة عقود، عمدت دمشق إلى تفريغ موقع الرئاسة من مضمونه، بتشويهها اتفاق الطائف من خلال تنفيذ بعض بنوده دون غيرها. فأتت بالرئيس الراحل الياس الهراوي ومدّدت له، مقابل سكوته عن تحويل "الوصاية" إلى احتلال، والتغاضي عن حصر السلاح بيد الدولة. ثمّ "عيّن" النظام السوري إميل لحود رئيساً ومدّد له، مقابل خضوعه لأوامر عنجر ودمشق ولرغبات حكم آل الأسد. وفي عهده شهدت البلاد موجة إغتيالات وتفجيرات لا يزال لبنان يدفع ثمنها حتى يومنا هذا.

أمّا خلفه الرئيس ميشال سليمان فجاء بتسوية أُجبر عليها حزب الله ومن ورائه إيران يومذاك. لكن مقابلها استحصلوا على الثلث المعطّل في تشكيل الحكومات وفي قراراتها. وعندما قرّر "حوار بعبدا" النأي بالنفس، فرض حزب الله أمره على رئيس الجمهورية متجاوزاً حتى اللياقة الشكلية، طالباً منه "غلي مقرّرات الحوار وشرب زومها"، ثمّ أرسل مقاتليه إلى سوريا والعراق واليمن، متعمّداً تفريغ رئاسة الجمهورية من أيّ معنى لها على منوال الاحتلال السوري.

أمّا مع عهد ميشال عون فلم يعد هناك من فارق بين قرار الضاحية الجنوبية وقرار بعبدا. فالتطابق كلّيّ، وما تكتبه الضاحية تُقرّه بعبدا من دون تردّد. ومقولة "العهد القويّ" انطوت فقط على الاستقواء بحزب السلاح. فأضعف "العهد القوي" علاقة لبنان بمحيطه العربي، وأنهى موارد البلد، وقاده إلى "الجحيم". هذا ليس رأياً بقدر ما هو واقع توصفُهُ كثرة من اللبنانيين. إن عصفت الأزمات الذي ضرب لبنان كان بفعل استسلام الرئاسة اللبنانية لسوريا أوّلاً ولإيران وذراعها تالياً.


أسئلة المستقبل

هذا الواقع يدفع إلى أسئلة ملحة حول ما يريده اللبنانيون مستقبلاً بعد كل الذي حصل منذ العام 1990 وصولاً حتى يومنا هذا: هل نريد كلبنانيين رئيساً يكون على مثال تلك الحقبة؟ أم رئيساً يطبّق الدستور واتفاق الطائف ويسترجع سيادة لبنان المنتقصة مذاك بفعل أزمنة الاحتلال؟ وهل الرئيس الوسطيّ غير السيادي قادر على الوقوف بوجه السلاح المتسلّط على اللبنانيين وحمى الفساد وحوَّل لبنان إلى جزيرة منقطعة الأوصال عن العالم؟!

إذا نجح "حزب الله" بفرض مرشحه فلن تقوم لنا قيامة، بل سنمدّد لأزمات البلد سنوات إضافية. بالتالي لا يستقيم منطق اللقاءات الثنائية مع حزب طهران ومع المعاون السياسي لأمين عام الحزب حسين خليل، ومنطق "وضع الخلافات جانباً" أو التستّر تحت مقولة أنّ "العالم لا يطرح سلاح الحزب بل يريد الإصلاحات". وإنّ أيّ تبرير مثل قول أنّنا "لا نقوى لوحدنا في الداخل على منع تسلّط السلاح" أسقطته التجربة. فلنتذكّر أنّ الداخل السيادي رفع راية إنهاء الاحتلال السوري للبنان يوماً، ولولا هذا الإصرار لَما تحرّك الخارج لمناصرتنا في العام 2005. أهل لبنان أدرى به. نعلم أكثر من الفرنسي والأميركي تركيبة لبنان وما يصلح فيه. فشعارات الإصلاح والوسطية والمدنية والمواطنة تصلح وتصح في واشنطن وباريس وهي دول يتساوى فيها المواطنون، لكن عندنا هناط "طائفة مميزة هي طائفة السلاح".

تقتضي العلاقة الجدلية بين مطالبة الداخل ودعم الخارج إصراراً في الداخل على المطالبة برئيس جمهورية "سيادي قوي" يعيد للرئاسة دورها المغيّب، وللدولة هيبتها المزعزعة، وللبنان موقعه العربي والدولي.

إذا الشعب اتحدّ يوماً وأراد السيادة.. فلا بدّ أن يستجيب الخارج!


أساس ميديا


الأكثر قراءةً