... عن حقل ألغام الانتخابات!

  • شارك هذا الخبر
Friday, May 13, 2022

تحيط بالانتخابات النيابية اللبنانية التي تجري بعد غد أجواء مشدودة، حيث يعيش البلد أسوأ أيامه منذ تأسيس الكيان قبل أكثر من مئة عام، ويعاني شعبه عوَزاً يُشبه ما حصل في متصرفية جبل لبنان بُعَيد الحرب العالمية الأولى التي اندلعت في سنة 1914.

وما يزيد من طين المأساة بلَّة، حصول عمليات الاقتراع وفق قانون انتخابي هجين فاقم الصراع الطائفي، وشوه بعض مزايا الديمقراطية، وفتح الباب على مصراعيه أمام التدخلات الخارجية، وأمام عمليات الرشوة، ويجعل من الحليف والصديق خصماً ومنافساً في آنٍ واحد.

القانون الانتخابي يعتمد على التمثيل النسبي في دائرة مصغرة، وهو ما يتعارض مع مبدأ النظام النسبي الذي غالباً ما يحصل على أساس الدوائر الكبرى. ويستند إلى قواعد النظام الأكثرية في جانب منه وليس على ترتيب أسماء المرشحين في القائمة الواحدة، لأنه يُلزم المرشحين بالحصول على أكثرية من الأصوات التفضيلية الخاصة داخل القائمة التي ينتمون إليها، بصرف النظر عن ترتيبهم فيها، وهذا الأمر خلق تنافساً أو عداوة داخل اللائحة الواحدة.

وفوق كل ذلك، فإن القانون يوزع المقاعد النيابية على أساس طائفي ومذهبي، بحيث يمكن أن يفوز نائب ببعض مئات من الأصوات، بينما يخسر زميل له في ذات اللائحة، إذا كان من طائفة أخرى، ولو حصل على آلاف الأصوات زيادة عنه، لأن التوزيع الطائفي للمقاعد يحرمه من الفوز إذا نفدت المقاعد المخصصة للطائفة، أو إذا حصل زملاؤه على المقاعد التي نالتها اللائحة بعد احتساب عدد الحواصل وكسور الفواصل قياساً لعدد المقترعين في الدائرة.

ليس أكيداً أن العملية الديمقراطية في لبنان ستؤدي إلى إنتاج نُخب سياسية جديدة، أو أنها ستفرز نواباً يعبرون عن كامل إرادة الشعب. لأن العوامل المالية والتدخلات الخارجية تفعل فعلها في التأثير على النتائج، وبالتالي تشويه صحة التمثيل. ولم يعد سراً أن دولاً خارجية قريبة أو بعيدة تتدخل بقوة في العملية؛ وهدفها محاصرة مرجعيات وطنية لبنانية.

وعلى الضفة الأُخرى تنغمس قوى سياسية في خلافاتٍ بينية تُضعف دورها، لاسيما مع مقاطعة طرف رئيسي من هذه القوى للانتخابات، وهو تيار المستقبل الذي يتمتع بنفوذ كبير في الأوساط الإسلامية.

وهذه القوى تحارب انتخابياً على جبهتين مختلفتين، الجبهة الأولى مع القوى المدعومة من محور "الممانعة" والجبهة الثانية مع قوى من "الحراك المدني" التي تتألف من نُخب أكاديمية مقبولة ومن شخصيات تدور حول بعضها الشبهات، خصوصاً أن لوائح "الحراك" لا تتمتع بأي حرية حركة في بعض المناطق اللبنانية، وهذا الأمر يعني حكماً أن لوائح الحراك تنافس ما يسمى "القوى السيادية" فقط، وعندها تبقى لوائح ما يسمى "محور الممانعة" خارج المنافسة إلى حدٍ ما.

لا بديل عن النظام البرلماني وعن التنوع واحترام الحريات العامة في لبنان، لكن القانون الطائفي المعتمد في الانتخابات شوّه هذا النظام. والتدخلات الخارجية استكملت عملية التشويه، لأنها أدخلت وسائل تهديد أو إغراء جديدة على اللعبة الانتخابية ليست في صالح الديمقراطية الحقة.


ناصر زيدان- الخليج


الأكثر قراءةً