لبنان في غمرة التطورات الدولية... بقلم البير نجيم

Sunday, June 20, 2021

في بريطانيا الخارجة من الاتحاد الأوروبي، والأكثر عداء لروسيا من بين دول الغرب، عقدت قمة السبعة G7، على أثر تطبيق عقوبة الاستبعاد الروسي والتي فقدت موسكو معها مقعدها في هذا المنتدى الدولي الأقوى، نتيجة ضمها لشبه جزيرة القرم قبل اقل من عقد من الزمن.
وفي بريطانيا أيضا، وبقيادة المحافظ بوريس جونسون، توأم دونالد ترامب السياسي وشبيهه في كل شيء، وقد أصابه ما أصابه من الهجوم الأميركي الديمقراطي اثناء الانتخابات الأخيرة التي أوصلت جو بايدن الى البيت الأبيض، ظهر الرئيس الأميركي الهرم وكأنه في ريعان شبابه ليقول كلمته.
فانطلاقا من إعادة تقييم العلاقات الأميركية – البريطانية، ومن إعادة ضبط العلاقات البينية بين الحلفاء في المجموعة المشار اليها، وفق الرؤيا الجديدة للإدارة الديمقراطية، واذا كان منتدى السبعة الكبار هو السقف الأعلى سياسيا واقتصاديا، فلا شك ان إعادة تفعيل حلف الناتو هو قمة الهدف عسكريا وامنيا كما هو ظاهر من مسار الأمور.
يجمع المراقبون على ان الرئيس الأميركي خرج منتصرا من قمته العالمية الأولى، لكن انتصاره يبقى في كل الأحوال انتصارا نسبيا وليس كاملا، يستأهل الاحتفالية التي رافقته، ولا يستأهل المبالغة، وذلك للأسباب التالية:
1- ان مهمة ضبط الحلفاء ليست سهلة في ظل النزعة التنافسية الشديدة بين الأقوياء على كل حبة قمح وبرميل نفط في العالم (وفق المصطلحات القديمة)، وعلى كل منتج رقمي وشبكة الكترونية (وفق المصطلحات الحديثة).
2- ان العالم يعيش جوا تنافسيا اقتصاديا يسمح لقيادة بكين الشيوعية بالقول لأعضاء منتدى السبعة: "انتهت صلاحيتكم"، ما ينم عن نوايا محض اقتصادية، وليس بالضرورة ابعد من ذلك.
3- ان بكين تدرك جيدا ان حجم المصالح المشتركة مع الدول الستة يمنع هذه الأخيرة من الالتزام الكلي بالأولويات الأميركية، وهذا ما عبر عنه الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون ورئيس الحكومة البريطاني جونسون، لجهة ان مجموعة السبعة ليست عدوة للصين.
4- ان الموقف الأميركي المعلن للعودة الى "الاتفاق النووي الإيراني"، هو عودة أميركية الى أوروبا وليس العكس، ولا فضل لبايدن في هذا الصدد الا بتصحيح ما خربه سلفه ترامب مع الحلفاء، ما يعني راهنا انتصار المقاربة الأوروبية للموضوع، واحياء لحلف الناتو، الامر الذي سيعود بالفائدة على واشنطن من دون ان يسمى انتصارا.
ويحتاج كل ما تقدم من تحليل للبرهنة في كل وقت ومرحلة، اذ لا يمكن لاحد الحكم الا على ما رشح عن هذه القمة وليس على بواطن الأمور. لكنه يقود بالطبع الى الحديث عن المستوى السفلي من العالم وسط قناعة بانه كلما غيرت اشرعة الكبار من كيفية استقبالها للريح، ينبغي على الصغار البحث عن طرق جديدة لنصب اشرعتهم ...
الفرضية الأميركية حول مصير الاتفاق النووي بسيطة، كما ظهر من خلال القمة العالمية الأولى لبايدن، ومفادها "ان عدتم عدنا"، فيما المعطيات المسربة مشجعة لاحتمال نجاح المفاوضات، خاصة وان "القابلة الأوروبية" حريصة على صحة المولود الجديد "المستنسخ"، اذا جاز الوصف.
اما الفرضية الإيرانية فهي أكثر بساطة من تلك الاميركية، اذ تقول: "اذا نجحت العودة الى الاتفاق فستحقق طهران أهدافها رافعة علامة النصر، واذا فشلت فلن تخسر شيئا على الاطلاق". والسؤال المشروع: كيف ولماذا في الحالتين؟
في حال فشل مفاوضات فيينا، فان طهران سوف تتحرر من الشروط الموضوعة حول التخصيب، ومن الرقابة الدولية، وتحقق قفزتها نحو التلسح النووي، فضلا عن الاستمرار في مشروعها الشرق اوسطي.
اما في حال نجاح المفاوضات فسيعاد ترتيب الأولويات الأميركية (العودة للاتفاق أولا، مناقشة البرامج الصاروخية، والبحث بحصة ايران في المنطقة)، وسيكون هذا أيضا بمثابة نجاح لطهران التي ستستمر في المفاوضات من دون عجلة وربما على مدى ولاية بايدن كاملة، وبصرف النظر عن نتائج انتخاباتها الجارية حاليا والتي لن تغير على الأرجح في جوهر الامور.
في المقابل لا يوافق بعض المراقبين على هذا المعطى معتبرين انه وبالرغم من المرونة الغربية في مقاربة الملف الإيراني، فان أي خلل في الالتزامات سيكون له تبعات سلبية.
وفي الوقت الذي تتواصل الاستثمارات المختلفة في الملفات الإقليمية المتشعبة من لبنان الى فلسطين فضلا عن سوريا والعراق واليمين، ويبحث عدد من الدول العربية عن مصالحه الخاصة، بدليل ما تفعله الرياض وأبو ظبي والقاهرة، لناحية فتحها خطوطا متوازية مع كل من إسرائيل وايران وتركيا وروسيا، من دون مناهضة اميركا او أوروبا، يتخبط لبنان بمحنته في ظل غياب ما ادمن عليه من وساطات وامساك باليد.
أجل، ان ما يهمنا من هذا التقدير للموقف هو المحنة اللبنانية الراهنة في ظل المعطيات الدولية والإقليمية، حيث يسود اعتقاد بأننا سنشهد معالجة لهذه الحالة "بالمفرق وليس بالجملة"، خاصة وان المبادرة الفرنسية قد فشلت او افشلت، لا فرق، وان انتاج تسوية شاملة أصبح بعيد المنال على ما يبدو، فيما مساعي الحل "بالمفرق" تتركز على العناوين التالية:
• دعم الجيش ومنع انهياره.
• تأمين نفط عراقي للكهرباء.
• محاولة ضبط سرعة انهيار الليرة اللبنانية.
• المحافظة على الاستقرار الداخلي ما أمكن بواسطة الجيش والقوى الأمنية.
• البحث في امكان اجراء انتخابات نيابية مبكرة او في موعدها الدستوري.
كل من هذه الملفات يجد من يرعاه ويسانده، او من يعارض طريقة مقاربته، وهذا صراع من نوع جديد في لبنان لم نشهد مثيلا له حتى في زمن الحروب الطاحنة.
ان استعصاء التسوية المحلية بانتظار التسوية الإقليمية لا ينتج للبنان سوى مسكنات غير قادرة على النهوض به من أزمته الراهنة، سواء حصل الاتفاق بين واشنطن وطهران ام لم يحصل، وسيضع البلاد امام الانهيار او المسكنات في أفضل الأحوال، كما سيضع الشعب اللبناني للأسف امام خيارات احلاها مر. فهل نحن مدركون لهذا الخطر المصيري؟

البير نجيم، ع.م. في الامن العام اللبناني، باحث، حقوقي، ومحلل سياسي–امني
4

مقالات مشابهة

اوتوستراد صور صيدا بيروت سالك بالاتجاهين

حاول إنقاذ إبنته فغرقا معا في النيل

بلدية فنيدق دعت القوى الامنية لمنع مصادرة الصهاريج لإتاحة تأمين المازوت للمواطنين

وزير الخارجية الجزائري: موضوع سد النهضة أصبح عالميا ينظر إليه على أنه من القضايا المهمة للمجتمع الدولي

بريطانيا.. تراجع إصابات كورونا 33 في المئة خلال أسبوع

ما حقيقة التسجيل الصوتي المتداول لوهاب؟