"بنات الطاولة" في دمشق... دعارة مقنّعة

Wednesday, January 27, 2021

أحمد كنعان

طلبت من صديقي بهاء أن يأخذني إلى ملهى لأعاين حياة بنات الطاولة في ملاهي دمشق. دخلنا واحداً من تلك الملاهي وكنّا أوّل الواصلين. كان الملهى عبارة عن صالة مساحتها حوالي المئة متر مربع، تتوزع فيها عدة طاولات تتسع لنحو 80 كرسياً، وفي ركن منها مسرحٌ صغير عليه أجهزة صوت تنبعث منها، وبصوت مرتفع جداً، أغاني لمطربين ومطربات كسارية السواس وبهاء اليوسف وغيرهم.

على الطاولات، في الصالة التي تضيئها أضواء خافتة لا تتيح لك تمييز ملامح الوجوه بسهولة، فتيات بثياب تكشف عن أفخاذهن وأجزاء من صدورهن وبطونهن ويضعن مساحيق تجميل بشكل صارخ مبالغ فيه.

هو واحد من ملاهٍ كثيرة تنتشر في وسط العاصمة السورية دمشق كـ"الفوليوم" في شارع 29 أيار، و"الحصان الجامح" قرب مقرّ مجلس الشعب، و"الماسة" و"الجوهرة" و"سميراميس" في حي الصالحية، و"الكروان" في ساحة الحجاز، وفي منطقتي الربوة ودمر كـ"الشادروان" و"إشبيليا" و"برج الأحلام" و"ليالي الشادروان"، وفي ضاحية معربا وعلى أطراف مدينة تل منين.

وكان هنالك حوالي 30 ملهى في جرمانا، ولكنها أغلقت مع إغلاق المنشآت السياحية بسبب تفشي فايروس كورونا، ولم يُسمح بافتتاحها بعد.

كان بهاء قد أحضر معه مشروبات روحية. "لا أنصح أحداً بتناول ما يقدَّم في هذه المحلات. مرة شربت من مشروبات المحل وسكرت من الكأس الثاني"، يقول في إشارة إلى أن هذه الأماكن تبيع لزبائنها مشروبات كحولية مغشوشة.

مع اقتراب الساعة من الـ12 ليلاً، بدأ الزبائن يتوافدون على المكان حتى امتلأت الطاولات تقريباً. لاحظت شاباً يحمل ضوء "ليزر" في يده ويلبّي طلبات الزبائن. يشير الزبون إلى فتاة فيقوم الشاب بتصويب الإضاءة عليها ليؤكد له الزبون أنها مَن يريدها، فيطلب منها الذهاب إلى طاولة الزبون فتتوجّه إليه على الفور.

جليسة من نوع خاص
تكتشف ببساطة أن هنالك معرفة سابقة بين بعض الزبائن وبعض الفتيات. تتبادل الفتاة القبلات على الخد مع الزبون وتجلس حيث يشير إليها قربه أو قرب أحد ضيوفه على الطاولة، وأحياناً تجلس في الوسط بين زبونين. وحين استفهمت من بهاء عن الأمر أوضح لي: "معلّم هدول ما بيكون معهن ينزّلو بنتين عالطاولة فبينزّلو بنت وحدة وبيدبّرو حالن".

يستطيع الزبون وضع يده على كتف الفتاة أو معانقتها وملامسة فخديها، ولكننا لم نشاهد أي قبلة على الشفاه. "كلّو إلا هيْ"، يوضح بهاء. يمكن للفتاة أن تغادر الطاولة بعد حوالي ساعة لتعود إلى طاولتها ومن ثم يطلبها زبون آخر فتلتحق بطاولة الزبون الجديد.

"الزبون يطلب الفتاة إما لسهرة كاملة أو لساعة واحدة، وكل شي إلو سعرو"، يشرح بهاء.

دلع، سمر، سهر، وأسماء أخرى كثيرة
التقينا بها عبر وسيط في أحد مقاهي دمشق. لم يكن من السهل إقناعها بالحديث عن مهنتها للصحافة. وحين عرضنا عليها أن ننشر ما تقوله في رصيف22 باسم مستعار ضحكت بشدّة وقالت: "دلع، سمر، سهر، نور، نغم، غنوة، وأسماء أخرى كثيرة، كلها أسمائي، ومع كل زبون استخدم اسماً مختلفاً أما اسمي الحقيقي فلا يعرفه أحد إلا مدير الملهى، ويعرف أنه إذا باح به فلن يرى وجهي مرة أخرى".

"مهنتنا تقوم على التنكر"، تقول عن سبب استخدامها لأسماء مستعارة كثيرة، وتوضح: "لا يجب أن يعرف أحد أسماءنا الحقيقية ولا حتى أشكالنا. نحن ندخل غرفة تبديل الملابس ونخرج منها بأشكال مختلفة تماماً عن أشكالنا في الحياة العادية".

اختارت للحديث معنا اسم دلع، وبدت متوترة للوهلة الأولى، إلا أن بهاء الذي عرّفنا عليها، وهو أحد زبائن تلك الملاهي وتربطه بها معرفة، طمأنها بعبارات همسها بأذنها فقالت: "عمري 27 سنة وأعمل هنا منذ 10 أعوام. تقريباً، أتواجد في المحل من الساعة 11 ليلاً وحتى الخامسة فجراً، ويجب أن ألبّي دعوة أي زبون يطلبني للجلوس معه وتسليته وتناول الكحول معه".

وأضافت: "أحياناً، يكون الزبون كريماً فيعطيني ‘خرجيّة’ وأحياناً يكون ‘كحته’ فلا يطلب لي مشروبي المفضّل ويفرض عليّ أن أشرب من مشروبه الذي غالباً ما يكون عرقاً أو ‘ويسكي مضروب’ (مغشوشاً)".

في عملها، ليس نادراً أن تتعرض للملامسة أو المداعبة من قبل الزبون. تقول: "خلينا صريحين، الزبون بدّو ‘يفرفش’ ولازم يطلع من عنّا رضيان منشان يرجع مرة تانية".

لم تعد تشعر بالإهانة عندما يقوم زبون بملامستها. "تعوّدنا. صار أقل من عادي".

"والدي متوفٍّ وأختي أصغر منّي بسنتين وتعمل معي وأمي تعرف بالأمر وعلاقتنا بأخوالي وأعمامي مقطوعة منذ فترة طويلة لا نعرف عنهم شيئاً ولا يعرفون عنّا شيئا"، تروي.

تتوقّف عن الكلام وتظهر معالم الحزن على وجهها ثم تتابع: "بنات الطاولة أشكال ألوان. ستجد بينهن التي يرسلها زوجها للعمل وستجد التي فقدت كل أهلها وستجد التي هربت من بيتها لأنها تتعرض للضرب".

مطرب التحيات
وُضعت آلة الأورغ على المسرح، ودخل مغنٍّ غير معروف، وباشر في غناء أغاني منتشرة في الفترة الأخيرة: "شعراتا ولو" و"تي رشرش"... أي زبون يستطيع أن يوقف المطرب عن الغناء وأن يطلب منه توجيه التحية لمَن شاء من الحاضرين شرط أن يدفع بعض المال، ويتم الأمر بأن يلقي المال على المسرح الصغير ليدخل فتى ويقوم بجمعه.

كان لبعض الفتيات حظ وافر من التحيات. وتكون التحية باستخدام عبارات مثل "لعيون أحلى فلانة" أو "الله وفلان" أو "لعيون فلان وضيوفه". كمية الأموال التي ألقيت لقاء التحيات كانت كبيرة وأغلبها من فئة الخمسمئة ليرة التي لا تحمل صور الرؤساء.

وعن مصير تلك النقود التي سماها بهاء "النقطة"، أوضح أنها تُسلّم إلى إدارة المكان و"كل محل إلو طريقة. في محلات بتعطي حصة للمطرب وحصص للبنات وفي محلات ما بتعطي حدا. حسب الاتفاق".

في الماضي كانت أجمل
يروي أبو فراس، وهو رجل ستيني يسكن في دمشق ويملك ورشة لخراطة المعادن أن هذه الملاهي كانت قديماً أجمل بكثير. "كانت تأتي فرق استعراض من شتى دول العالم وتقدّم عروضاً فنية راقصة راقية".

ويوضح أبو فراس لرصيف22 أن المستوى بدأ بالانحدار مع بداية التسعينيات من القرن الماضي. "صارت القصة نسوان فقط"، يقول ويروي: "كنّا نستطيع أن نطلب إحدى الراقصات للجلوس معنا على الطاولة وكانت تسمى فتاة ‘انغيجيه’ وكانت شروط عقد دخولها البلاد تمنعها من ممارسة الدعارة".


ونعبير "انغيجيه"، حسبما يوضح المترجم عن الفرنسية والصحافي سعيد محمود، لرصيف22 يأتي من كلمة Engagee الفرنسية، و"تأخذ عدة معاني بحسب استخدامها فهي تعني مخطوبة أو مرتبطة، وفي الملاهي الليلية تستخدم كسؤال: هل تريد علاقة؟".

يسترسل أبو فراس: "حافظت بعض الملاهي على شيء من الزمن القديم ولكن ما يجري الآن هو مجرد دعارة مقنّعة. يجلس الزبائن مع الفتاة ويطلبون رقمها ليتصلوا بها في اليوم التالي لممارسة الدعارة"، مضيفاً: "لذلك لم أعد أذهب إلى هنالك منذ زمن".

جميع هذه الملاهي مرخصة من وزارة السياحة، وأسعار الدخول موحدة وهي 10 آلاف ليرة سورية للشخص، أي ما يعادل حالياً ثلاثة دولارات أمريكية.

عندما يطلب زبون شابة لمجالسته على طاولته، عليه أن يدفع للمحل عشرة آلاف ليرة إضافية مقابل ساعة واحدة، ويستطيع أن يطلب أن تجالسه طوال السهرة مقابل حوالي 25 ألف ليرة.

بعض الفتيات يقتصر عملهن على مجالسة الزبائن في الملهى وبعضهنّ يقبلن بمرافقتهن لممارسة الدعارة بحال طلبوا منهنّ ذلك، وتكلفة ذلك غير محددة ومتروكة لاتفاق الزبون والفتاة. لكل شابة سعر خاص يتراوح ما بين 20 ألف ليرة إلى 30 الفاً للساعة الواحدة، ومن 50 ألفاً إلى 100 ألف لليلة الكاملة.

دعارة مقنّعة
طلبت من بهاء استقدام شابة إلى الطاولة، فحضرت وقالت إن اسمها "ليال" واستخدمت لخطابنا عبارات من نوع "حبيبي" و"عيوني" و"روحي" و"غلاتي" ولكن ضجيج المكان وصوت الأغاني المرتفع جداً منعنا من إدارة حوار معها.

حين طلبنا منها مرافقتنا إلى خارج الملهى اعتذرت كونها مرتبطة بأشياء أخرى ولكنها أعطتنا رقمها على أن نتفق في يوم آخر، وفي اليوم التالي كان الرقم خارج التغطية طوال الوقت وبعد عدة أيام كان الرقم خارج الخدمة.

اتصلنا بالسيد "ياسر"، مدير أحد الملاهي في منطقة الربوة في دمشق، وقلنا له إن فتاة من معارفنا تريد العمل في الملهى كجليسة فأجابنا: "أرسلها فوراً". سألناه إذا كان من المفروض عليها مرافقة الزبائن خارج المحل فأوضح: "لا، أبداً، ليس مفروضاً ولكنها حرة في ذلك. أصلاً البنت الشاطرة هيي لي ما بتطلع مع حدا".

ولدى استفهامنا منه عن الأجر قال: "رح تاخد عشرة آلاف كل يوم على الأقل وحسب شو بتسحب من الزبون"، ولكنه استدرك: "بس إذا ما حدا طلبها أنا مضطر مشّيها".

الشاعر الفلسطيني المقيم في دمشق أحمد علاء الدين، والذي رافقنا إلى الملهى الليلي قال واصفاً شعوره بعد انتهاء الزيارة: "شعرت باشمئزاز شديد وما شاهدته أعاد إلى ذهني ما قرأناه عن أسواق النخاسة البائدة".

"ما الذي يحصلون عليه مقابل هذا المال الذي يهدرونه؟ بكل صدق تبدو لي الدعارة على بشاعتها أكثر شرفاً مما يحدث هنا"، يعلّق علاء الدين.

من جانبه، يوضح الحقوقي فراس سعيد المتخصص في القانون الجنائي والمقيم في دمشق لرصيف22 أن "العمل في الملاهي الليلية تنظمه القوانين التي تنص على عدم الإخلال بالآداب العامة وتشترط على الفتيات اللواتي يطلق عليهن لقب ‘فنانات’ عدم ممارسة الدعارة".

وبيّن أن هنالك ملاهي ليلية غير مرخصة وتستغل العاملات فيها نتيجة حاجتهن للعمل "فالملاهي الليلية المرخصة أصولاً والتي تشرف عليها وزارة السياحة قليلة العدد".

(رصيف22)

مقالات مشابهة

CNN عن مصدر حكومي سعودي: الرئيس بايدن تحدث هاتفيا إلى العاهل السعودي وكان اتصالا جيدا

وزيرا الخارجية السعودي والأميركي بحثا الشراكة الاستراتيجية

وفاة الفنان الكويتي مشاري البلام بعد إصابته بفيروس كورونا

العراق: لم نطلب مراقبين دوليين على الانتخابات

عبدالله: الحكومة بعيدة وبإنتظار كلمة السر من الخارج ويجب علمنة الدولة

كيف يستخدم العلماء الأقمار الاصطناعية للتنبؤ بتفشي الكوليرا؟