ما حقيقة "النمر" و"صائدي الدواعش"؟

Saturday, December 5, 2020

أظهر مارات غابيدولين، وهو "ضابط" سابق من مؤسسة "فاغنر" العسكرية الروسية التي تشارك في القتال في سوريا، مجموعة كبيرة من أسرار هذه المؤسسة، وذلك في حوار أجراه معه موقع "ميدوزا" الروسي، أكد في سياقه تبعية "فاغنر" لرجل الأعمال الروسي يفغيني بريغوجين، المعروف بلقب طباخ الكرملين، والمقرب من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. كما حمَّل مارات مؤسس "فاغنر" المسؤولية عن جريمة تعذيب أربعة من المرتزقة الروس لمواطن سوري، وقتله بالمطرقة قبل قطع رأسه.

وانتقد الجهات الرسمية لعدم اعترافها بمجموعات "المرتزقة"، كما كشف عن العلاقة مع القاعدة الروسية في حميميم، وقال إنه ألف كتابا يروي فيه "مذكرات" أربع سنوات من عمله مع "فاغنر"، وكان من المنتظر أن يبدأ توزيعه، إلا أن دار النشر أوقفت طباعته وتوزيعه. وبينما يبقى الاطلاع على تفاصيل تجربته مع "فاغنر"، وأسرار عمل هذه المؤسسة، بانتظار حسم مصير الكتاب وما إذا كان سيُنشر أم لا، فإن إجابات مارات على أسئلة "ميدوزا" شكلت أول شهادة من نوعها يدلي بها عسكري، عمل مع هذه المؤسسة وباسمه الحقيقي.

يعرف مارات عن نفسه بأنه عسكري سابق من مواليد عام 1966، خدم في القوات الخاصة في الجيش الروسي، وبعد الخدمة العسكرية دخل "عالم البيزنس"، وخلال تلك المرحلة قتل واحدا من زعماء مجموعات الجريمة المنظمة، وحُكم عليه بالسجن خمس سنوات. وعن التحاقه بصفوف "فاغنر" يقول إن القصة بدأت عام 2015 حين دعاه صديق من سيبيريا للتطوع فيها. لهذا الغرض اتجه مارات إلى معسكر المؤسسة، في منطقة "مولكينو" جنوب روسيا، حيث أجرى عسكريون معه "مقابلة" وتم قبوله بناء عليها.


اللافت في حديثه عن تلك المرحلة تأكيده أنه وقع العقد مع شركة "يورو بوليس"، وهي ذات الشركة التي تحدثت تقارير سابقة عن اتفاق وقعته مع النظام تحصل بموجبه على 25 بالمئة من إنتاج النفط والغاز في الحقول التي تحررها، وتعيدها إلى سيطرة النظام. وفي البداية كان مارات برتبة "مقاتل" ومع الوقت ترفع حتى أصبح قائد وحدة استطلاع، ويؤكد أن مجموعته قامت بتنفيذ مهام على الخطوط الأولى "في مواجهة العدو". بعد ذلك يروي جملة الأسباب التي دفعته إلى عرض مذكراته عن عمله في "فاغنر" ويقول: "أريد من ذلك أن أقول للناس أنه هناك كثير من الكذب في موضوع فاغنر من جانب العسكريين والسياسيين. العالم كله يعرف الحقيقة، وأنتم تريدون إخفاؤها عن الشعب. هل هذا طبيعي؟".


وأظهر مارات عن كثير من الحقائق حول عمل"فاغنر" في سوريا، وتوقف عند أحداث أثارت ردود فعل غاضبة على مستوى واسع، منها مقاطع الفيديو التي تداولتها وسائل إعلام ويظهر فيها أربعة من مرتزقة "فاغنر" يعذبون مواطنا سوريا ويضربونه بالمطرقة، حتى الموت، وقطعوا رأسه بعد ذلك. وقال حول هذه الحادثة إن "دميتري أوتكين (ضابط معروف باسم فاغنر، أسس ويقود هذه المجموعة التي حملت اسمه) هو الذي دعا الجنود للقيام بهذا العمل، بغية الترهيب. وتم تصوير مقاطع فيديو التعذيب بتعليمات منه أيضاً كما قيل لي". ويوضح مارات أن قائد فاغنر كان يسعى بهذا الشكل إلى بث الرعب في صفوف المعارضة السورية. ودعا مارات إلى محاكمة الجنود الأربعة الذين قاموا بهذا العمل، إلا أنه عاد وتساءل:"كيف يمكننا محاكمتهم، طاملا نقول إنه لا وجود لهم هناك". وهو يشير بذلك إلى عدم أقرار السلطات بوجود مرتزقة "فاغنر" في سوريا.



في سياق متصل حمل مارات العسكريين الروس في حميميم المسؤولية، وإن كان بشكل غير مباشر، عن سقوط مئات من مرتزقة "فاغنر" خلال قصف أميركي تعرضوا له ليلة 8 شباط عام2018، خلال محاولتهم التقدم نحو آبار نفطية في دير الزور، تسيطر عليها "قسد" بحماية أميركية. وقال إن الأميركيين، حاولوا خلال اتصال عبر القناة الخاصة بينهم وبينهم قيادة القوات في حميميم، الحصول على اعتراف بأننا تكشيلات روسية، وأضاف: "لو اعترف عسكريونا (في حميميم) بأننا روس، من الممكن أن تصرف الأميركيين كان سيختلف، ويقتصر على قصف تحذيري".

كانت التقارير من ساحات المواجهات في سوريا تقول إن مجموعات من الوحدات الخاصة في جيش النظام نجحت في تحرير هذه المنطقة أو تلك من "داعش"، وأن تلك الوحدات باتت تعرف بـ "صيادي الدواعش"، وحصل هذا الاسم على شهرة كبيرة في وسائل الإعلام. لكن هذا اللقب في الواقع ليس سوى مجرد "اسم" وجزء من "الترويج والتضليل" الإعلامي في آن واحد، وفق ما يتضح من حديث مارات، الذي أكد أن "عناصر هذه الكتيبة يتم اختيارهم من السوريين، وعملت مستشارا عسكريا لهم عام 2018 وقمت بتدريبهم". ويضيف أن "الصيادين" قبل ذلك كانوا يقومون بعمل استعراضي فقط، ويزعمون أنهم شاركوا في القتال. وفي الواقع كانوا يلتقطون الصور ويصورون مقاطع الفيديو في الأماكن المناسبة، ويعرضونها على أنها "إنجازاتهم". ويؤكد أن المهمة الرئيسية للصياديين هي أن يأخذوا على عاتقهم عبء البروبغاندا. مثال على ذلك، وفق رواية مارات: "عندما استعدنا تدمر للمرة الثانية، ظهر الصيادون فجأة، وبدأ التصوير".


رغم ذلك أصر مرتزقة "فاغنر" على مشاركة "الصيادين" في العمليات القتالية. وشاركوا بالفعل لاحقا في العمليات تحت إشراف المستشارين من "فاغنر". إلا أن مهام "الصيادين" لم تقتصر على العمليات في سوريا، وشاركوا كذلك في القتال في ليبيا. إذ كشف مارات عن صدور أوامر عام 2019 بإرسال مقاتلين من "صيادي الدواعش" التابعين لنا إلى ليبيا على وجه السرعة. وقال إن ضابطا روسياً من قادة "فاغنر" في ليبيا، اتصل معه بعد ذلك وسأله: "هل يمكن استخدام المقاتلين الذين أرسلتهم كانتحاريين؟".وبالنسبة لنشاط "فاغنر" في ليبيا، عبر مارات عن قناعته بأن "المؤسسة تخسر هناك"، وأحال ذلك إلى سوء التحضير للتدخل، وعدم أخذ احتمال تدخل تركيا في النزاع بالحسبان.

أما جيش النظام فهو "تشكيلات لا تملك القدرات القتالية" حسب وصف مارات، الذي لفت إلى أنه "لم يكن بالأمر السهل على العسكريين الروس أن يدفعوا تلك التشكيلات لشن هجوم". وقال إن الجنرالات الروس كانوا على سبيل المثال يقولون في تقاريرهم إن "القوات السورية تقدمت وواجهت مقاومة عنيفة فاضطرت لتثبيت مواقعها"، ويضيف مارات: "في الواقع لم يكن هناك أي تقدم، ولم يخرج أي تشكيل سوري من مواقعه". أما بطولات قوات سهيل النمر، المعروف بلقب "النمر"، والذي كانت التقارير تقول إن قواته تحقق إنجازات حاسمة على أرض المعركة، اتضح أيضاً أنهم كانوا يدخلون المدن الفارغة ويستعرضون قيامهم بـ "تمشيطها"، لكن بعد أن تكون "فاغنر" قد دخلت تلك المدينة وحررتها، حسب ما يقول مارات.



في كثير من المفاصل يكشف مارات عن العلاقة الوثيقة بين "فاغنر" والمؤسسة العسكرية الروسية، التي كانت تقوم بعلاج جرحى "فاغنر" خلال العمليات في سوريا، علما أن الجهات الرسمية الروسية، على جميع المستويات، الكرملين ووزارة الدفاع والخارجية، تنفي تلك العلاقة. ويروي مارات كيف تعرض لإصابات خطيرة أثناء مواجهات في تدمر ربيع عام 2016، مع من أطلق عليهم "الأوراح" في إشارة إلى "داعش" على ما يبدو، ويقول إنه رغم عدم وجود إشارة في العقد مع "يورو بوليس" إلى العلاج في حالة الإصابة أثناء المواجهات، يتذكر أنه وجد نفسه في مشفى "فيشنيفسكي" العسكري في محافظة موسكو عند خروجه من الغيبوبة، إثر إصابات خطيرة تعرض لها، نتيجة انفجار قنبلة بقربه خلال المواجهات في تدمر. ويؤكد أنه خضع للعلاج في ذلك المشفى، التابع لوزارة الدفاع الروسية، علما أن الوزارة تكرر دوما أن مرتزقة "فاغنر" ليسوا من ملاكها.

أما العلاقة مع بريغوجين، فقد كشف عنها مارات في سياق حديثه عن كتابه الذي وقعه باسم "ديد مارتين"، ولم يوقعه باسمه الحقيقي. إذ يتضح من حديثه أن "مارتين" هو الاسم الحركي الذي أطلقه بريغوجين عليه، و "ديد" (أي الجد) هو اسمه الحركي في مجموعته. ويؤكد أن بريغوجين قدم له مساعدة كبيرة بعد إصابته، ويضيف أنه عمل عام 2017 مساعدا لبريغوجين، يساعده في تنظيم نشاط المرتزقة في سوريا، وقال إنه عرض عليه جزءا من الكتاب. هذه التفاصيل التي يرويها مارات تؤكد بشكل غير مباشر أن "فاغنر" مؤسسة تخضع بشكل تام لبريغوجين "طباخ الكرملين". وقال مارات بهذا الصدد: "كنت ببساطة أريده أن يطلع على الكتاب، نظرا لما كان يجري في سوريا حينها، حيث حاول كثيرون الحصول على المال من بريغوجين". ويقصد أن الضباط في "فاغنر" كانوا يقدمون له تقارير عن مشاريع وأعمال وهمية بهدف الحصول منه على المال وسرقته. عموما لم يعترض بريغوجين على الكتاب، وفق ما يؤكد مارات، بل وطلب تزويده بعدة نسخ منه بعد طباعته، وقال إنه يريد إهداء نسخة للمتحدث الرسمي باسم الكرملين دميتري بيسكوف. وفي تعليقه على هذا الأمر قال بيسكوف لموقع "ميدوزا" إنه لا علم له بالأمر، وأكد أن بريغوجين أهداه كتابا بالفعل عام 2017، إلا أنه كان عن المطبخ الشرقي.

مقالات مشابهة

"كيف نحدد أولوياتنا وأهمية تطبيق أسس القيادة" مع الإعلامي فادي بدر

نصف مليون دولار.. عملية تنظيف البيت الأبيض بعد رحيل ترامب

مبادرة الإتحاد النسائي التقدمي تتلقى عشرات الإتصالات.. وتوضح

الرئيس الأميركي الأسبق جورج بوش وزوجته يصلان إلى مبنى الكونغرس للمشاركة في حفل تنصيب بايدن

بالفيديو- مشوار التلقيح... طويل طويل

نائب الرئيس مايك بنس يصل إلى مبنى الكونغرس للمشاركة بتنصيب بايدن