نبيل هيثم - قراءة في الفنجان الأميركي

Monday, July 13, 2020

كثيرة هي الروايات، التي نُسجت حول الحضور الأميركي المكثّف في الساحة الداخلية. بعض المبالغين في قراءة الموقف الاميركي، يذهبون الى تخيّل سيناريوهات تفترض وجود «تحوّل ما» في السياسة الأميركية تجاه لبنان، جوهره الاساس التعايش مع الواقع السياسي القائم في لبنان، ووفق مقتضيات المصلحة الاميركية التي تحكم «سياسة المرجوحة» التي تعتمدها الادارة الاميركية، والتي تفرض مصالحها، ان تميل «المرجوحة» في ظرف معيّن الى جانب، ومن ثم المصالح ذاتها تفرض عليها ان تميل الى جانب آخر.


اما ما هو هذا التحوّل وما هو حجمه، فليس سوى فرضيّة لا يملك المبالغون اي توضيحات، فقط يؤشرون الى واحدة من علاماته، تتجلّى في الإنفتاح الاميركي على الحكومة، المشكو منها اميركياً منذ اللحظة الاولى لتكليف حسان دياب تشكيلها. وما رافق هذا الانفتاح من حضور للسفيرة الاميركية في السرايا الحكومية، بعد ايام قليلة على اشتباك عنيف معها، واتهامها من قبل اهل السرايا بالتحريض على الحكومة ورئيسها. فأن تزور دوروثي شيا السرايا لا تأتي خطوتها هذه من عندياتها، بل بتوجيه من خارجية بلادها، والأمر نفسه يتعلق بتناولها الطعام الى مائدة رئيس حكومة مشكو منه، فهذا الامر بحدّ ذاته يتطلب إذناً صريحاً ومباشراً من الخارجية الاميركية.



بعضٌ، ممن هم في الجبهة المعادية للولايات المتحدة، يعتبرون انّ هذه الدولة العظمى، وعلى الرغم من امتلاكها لقوة خارقة وقدرات هائلة، لم تستطع ان تطوّع الواقع اللبناني وفق ما تشتهي ان يكون عليه، ما أملى عليها اعادة حساباتها وتليين موقفها - ولو على مضض - حيال واقع سياسي وحكومي ترفضه اصلاً.





وبعض المفرطين في المبالغة يعتبرون انّ الادارة الاميركية، ادركت انّ السياسة التي اعتمدتها تجاه لبنان، منذ تشكيل الحكومة الحالية، لم تحقق لها ما توخّته منها، بل على العكس جاءت نتائجها عكسية؛ فهي بداية اعتمدت سياسة «كزّ الاسنان» حيال حكومة دياب. والضغط الاميركي والتضييق اللذان مورسا عليها، ولاسيما من الباب المالي، وإعاقة التحويلات واقفال كل منافذ «السيولة الدولارية» الى لبنان وما تأتى منه من ارتفاع جنوني في سعر الدولار، وغلاء كارثي في الاسعار، لم يؤذِ الحكومة وحدها، ولا الحاضنة السياسية التي تغطيها وحدها، بقدر ما كانت اذيّته شاملة جميع اللبنانيين، وفي مقدّمهم حلفاء واشنطن واصدقاؤها في لبنان. وهذا وحده كافٍ لتغيير سياستها هذه، ولفتح الباب ولو مواربة، وخلق مرونة اقتصادية ومالية لوصول بعض الهواء الاقتصادي المنعش، إن من الباب القطري، او الباب العراقي، وكذلك من الباب الخليجي دخولاً من الباب الكويتي.



وفي اعتقاد اصحاب هذا الكلام، انّ سياسة «سنّ الاسنان» التي تعتمدها واشنطن وبشكل متواصل حيال «حزب الله»، لم تحقق الهدف الاميركي المعلن بخنق الحزب وكسره نهائياً، واخراجه من الحكومة الحالية، وكذلك من الحكومات المقبلة. وهذا معناه العودة لاحقاً الى مرحلة التعايش القسري مع الحزب، كما كان يحصل في الماضي، خلال تشكيل الحكومات، إذ دائماً ما كان الاميركيون يطرحون إبعاد «حزب الله» عنها، الّا انّه مع استعصاء تأليفها، كانوا يتراجعون في آخر لحظة ويعلنون ان لا مانع من اشراك «حزب الله» في الحكومة اذا كان ذلك يُعتبر الممر الالزامي لتشكيلها. ولديفيد ساترفيلد ودايفيد ولش كلام واضح من هذا القبيل.



ولكن ماذا في المقابل؟



إذا كان خصوم واشنطن يشعرون بشيء من الانتعاش جراء ما يعتبرونه بداية تحوّل في الموقف الاميركي نحو التسليم بالامر الواقع، فإنّ اصدقاء الولايات المتحدة الاميركية في لبنان، يطرحون علامات استفهام حيال الليونة الاميركية غير المتوقعة من قِبلهم، والترقّب هو سيّد الموقف في هذا الجانب، مقروناً بالخشية من ان تجري الرياح من الآن فصاعداً بغير ما يشتهون. وثمة اسئلة مباشرة واستفسارات طُرحت من قِبل البعض منهم على الاصدقاء الاميركيين، فكان جوابهم «انّ الولايات المتحدة لا تترك اصدقاءها».



الّا انّ بعض من يعتبرون انفسهم قارئين في الفنجان الاميركي، فينصحون باعتماد الواقعية، وعدم استباق الامور والاستعجال بإطلاق حكم نهائي على الموقف الاميركي وبالتالي الافراط في التخيّلات والتحليلات.





وفي قراءتهم للموقف الاميركي، تبرز مجموعة من الخلاصات:



اولاً، مصالح الولايات المتحدة الاميركية في لبنان وفي كل العالم، لها الاولوية. وكل ما عداها ثانوي. وفي سبيل حماية مصالحها فهي مستعدة لأن تقوم بأي شيء.



ثانياً، واشنطن تعتبر انّ «حزب الله» عدوها اللدود، ولا بدّ من خنقه والقضاء عليه، الّا انّها وبمعزل عن نبرتها الهجومية الحادة على الحزب، تدرك التركيبة اللبنانية وحساسية التوازنات الطائفية والسياسية فيه.



ثالثاً، انّ «حزب الله»، هو العدو لأميركا، الّا انّ واشنطن تدرك انّه لا يمثل لبنان كلّه، بل يمثل شريحة واسعة من طائفة معيّنة، وهي تدرك في المقابل، انّ حجم حلفائها واصدقائها في لبنان يشكّل الشريحة الاكبر في المجتمع اللبناني، السنّي، والمسيحي، والدرزي وجزء من الشيعة، وبالتالي لا تستطيع ان ترى حلفاءها في موقع الضغط او الضعف، ولعلها باتت تدرك انّ الضغوط المالية على لبنان، سيف ذو حدين، فهي وإن كانت تطال «حزب الله» وتربكه، فهي ايضاً تطال سائر مكونات الشعب اللبناني الصديقة لاميركا، وبالتالي، لحماية اصدقائها لا بدّ من مرونة اقتصادية وشيء من الانتعاش للتقليل من حجم الضرر. وهنا ينبغي رصد العراق وقطر والكويت ودول الخليج. وثمة من يقول في هذا الجانب، انّه قبل ان نرى سفراء دول الخليج في السرايا الحكومية، فلا أمل بأي مساعدة.



رابعاً، بالتوازي مع الحضور الاميركي، فإنّ الحديث عن انّ واشنطن بدّلت موقفها، وانّ تحوّلاً ما بدأ يظهر في سياستها، ينطوي بشكل غير مباشر على اتهام لها بأنّها السبب في مفاقمة الأزمة اللبنانية. قد يكون ذلك صحيحاً، او غير صحيح، لكن واشنطن ترفض هذا الاتهام.



خامساً، يمكن الافتراض انّ واشنطن، وربطاً بالوضع اللبناني، تسعى لتحقيق مكاسب معينة، عبر اعادة ترتيب الاولويات، التي من ضمنها إعادة لملمة صفوف الاصدقاء والحلفاء.



سادساً، انّ واشنطن، وبالرغم من رفع وتيرة الضغط السياسي والتصعيد بالعقوبات وغيرها ضد «حزب الله»، لم تصل الى حدّ دفع الامور الى خطوات عسكرية لا عبرها مباشرة ولا عبر اسرائيل، فلا اميركا تسعى الى حرب لا ضدّ ايران (اكّد ذلك قائد القيادة الوسطى في الجيش الاميركي الجنرال كينيث ماكينزي من العراق) ولا ضدّ «حزب الله»، ولا اسرائيل جاهزة للحرب، كما تؤكّد مستوياتها السياسية والعسكرية، ولا «حزب الله» يريد الحرب.



سابعاً، وهنا بيت القصيد، فإنّ الاساس والجوهري في الموقف الاميركي، هو ملف النفط والغاز في البحر اللبناني. وتلك الجوهرية اشار اليها بشكل غير مباشر الجنرال ماكينزي خلال زيارته الاخيرة لبيروت، حينما قال: «انّ لدى الولايات المتحدة مصالح عدة في الشرق الاوسط، ونحن الآن لا نحصل على اغلبية نفطنا من هذه المنطقة».



بالتأكيد، انّ اشارته الى «نفطنا» لا تعني نفط الخليج الذي هو في يد الاميركيين، ولا نفط العراق ولا النفط السوري، فكله تحت اليد الاميركية، ويبقى النفط البحري اللبناني. فالاميركيون يدركون المخزون الهائل الموجود في البلوك رقم 8 والبلوك رقم 9. وفي كلام ماكينزي هذا، اضافة الى ما تمّ تداوله من «ايجابيات ورغبات»، مع مسؤولين لبنانيين كبار، ما يؤشر الى انّ هذا الملف سيوضع على نار اكثر من حامية في وقت قريب جداً، بإطلاق جدّي لعملية تفاوض لبنانية - اسرائيلية - اميركية، برعاية الامم المتحدة حول ترسيم الحدود. والأهم، انّ كلام ماكينزي يأتي على مسافة ايام من الاعلان الاسرائيلي عن بدء التنقيب في محاذاة البلوك رقم 9. كما انّ الترسيم وكذلك التنقيب يتطلبان هدوءاً واستقراراً على جانبي الحدود بين لبنان واسرائيل. والاستقرار على الحدود من الجانب اللبناني، ينبغي ان يرتكز على استقرار اكبر في الداخل اللبناني، اقتصادي ومالي.

الجمهورية

مقالات مشابهة

محمد عبيد ضيف قناة الـMTV غدًا

خلف: على هذه السلطة أن ترحل

إصابتان بكورونا في رحلة من أصل 15 وصلت الجمعة

جنبلاط: لبنان لا يمكن أن يستمر إلا بالاحتضان العربي

ديفيد هيل في بيروت الأسبوع المقبل

بهاء الحريري: لن أترك وطني